حسن الأمين
167
مستدركات أعيان الشيعة
البربرية الخارجة على الخلافة الفاطمية : لم يجهلوا ما تلاقى في التشيع من تحريض شارية أو بأس شاري وما تذلل من أهل العناد لهم وما تدارى من الدين الأباضي وهناك طبقة أخرى تسهم في بناء هذا المجتمع ، هي طبقة الموالي ولا سبيل إلى معرفة الكثير عنها ، غير أن من الواضح أن بعض هؤلاء الموالي ممن كانوا في خدمة الخلفاء ، استطاعوا أن يكسبوا ثقة أسيادهم فتوصلوا إلى مراكز مرموقة وما قيصر وجوهر قائدا المعز إلا من هؤلاء الموالي ، وابن هانئ عندما يمدح جوهر - إذ أننا لا نراه يمدح غيره من الموالي - ، لا يتعرض لنسب جوهر ، بل يتحدث عن شجاعته وكرمه ورزانته وحسن تصريفه للأمور ، وعن اجتهاده في محاربة الثائرين على المعز : وأدركت سولا في ابن وأسول عنوة وزحزحت منه يذبلا فتزحزحا وهو لا يتحدث عن نسب جوهر ، ذلك لأن جوهر مولى ، والموالي لا نسب لهم يفخرون به إلا نسب الولاء . من كل هذا نستخلص أن ابن هانئ كان متعصبا للعرب ، فهو لم يمدح بربريا ولم يذكر فضل هؤلاء على الخلافة الفاطمية ، إذ كانوا دعائم وجودها الأول ، وكذلك لم يمدح من الموالي إلا جوهرا فهل كان ابن هانئ يحتقر الموالي والبربر ويفضل عليهم العرب ؟ قد يكون ذلك وقد يجوز أن يكون الموالي والبربر لا يحسنون فهم العربية ، ولذلك انصرف عنهم الشاعر ( 1 ) المدح المدح هو الفن الشعري الذي قامت عليه شهرة ابن هاني ، وأما الفنون الشعرية الأخرى فلم يولها أهمية . كنا رأينا أن الشاعر خرج من الأندلس مضطرا ، وجاء الغرب هاربا - كما يقول هو - من الأمويين وعمالهم الذين نقموا عليه تشيعه ، خرج إلى عدوة المغرب حيث اتصل بجوهر قائد المعز ومدحه كما يقولون ، بيد أن ابن الآبار لا يذكر أن ابن هاني اتصل بجوهر عند خروجه إلى عدوة المغرب ، بل يقول : واتصل بجعفر بن علي بن حمدون الأندلسي وبأخيه يحيى . أما أنا فأرى أن ابن هاني لم يتصل أولا بجوهر ، لأسباب منها أن جوهرا هذا لم يغزه المعز إلا عندما ثار ابن واسول محمد بن الفتح على المعز وتلقب بأمير المؤمنين ( 2 ) ، وهو من سلالة ميمون بن مدار بن اليسع من بني واسول المكناسي ، تغلب على سجلماسة ودعا لنفسه ، وأرى الناس أنه يدعو لبني العباس ، ورفض الخارجية ، ولقب نفسه بأمير المؤمنين الشاكر بالله ، واتخذ السكة باسمه ولقبه ، وبقي إلى أن قبض عليه جوهر سنة 347 بعد أن تغلب على سلجماسة المدينة التي اتخذها الخوارج مركزا لهم بعد أن اختطوها سنة 140 هجرية وإلى هذا الحدث يشير ابن هاني في قصيدته التي مدح بها جوهرا وقد كنا رأينا أن خروجه من الأندلس كان حوالي سنة 344 ، فهل يعقل أن يبقى ثلاث سنوات تائها قبل من الأندلس كان حوالي سنة 344 ، فهل يعقل أن يبقي ثلاث سنوات تائها قبل أن يتصل بجوهر ؟ لذلك اعتقد أن اتصاله كان أولا بجعفر بن علي بن حمدون وأخيه يحيى قبل أن يتصل بجوهر بل ربما اتصل بقيصر الصقلي الذي خلفه المعز على الجيش بعد جولته الأولى في سنة 342 إلى بني كملان ومليلة وهوارة ( 3 ) قبل أن يتصل بجعفر أو [ ببحيى ] بيحيى ابني علي بن حمدون ، ولكن ليس في الديوان ما يثبت ذلك ، وعلى هذا فنحن سنقسم مدحه بالنسبة للممدوحين ، ونبتدئ بمدح الشاعر لأبناء علي بن حمدون على اعتبار أنه أول شعر له قاله في المغرب ، وربما كان أول مدح عرف ودون له ، غير أنه لا يجب أن نفهم من ذلك أن كل مدحه لهما كان قبل أن يتصل بالمعز ، بل أنه مدحهما أيضا بعد اتصاله بالمعز ، لخلال أعجب بها كانت بهم ، من فهم للعربية ، وأريحية قحطانية ، وأبناء علي بن حمدون هم جعفر وأخوه يحيى وإبراهيم بن جعفر « وقد دخل جدهما الأندلس من الشام وسكن بكورة البيرة ، ثم تنقل حفيده حمدون جد جعفر هذا إلى بجاية ، وصحب أبا عبد الله الشيعي الداعي ، ودخل في مذهبه ، فلما تغلب الشيعي على إفريقية ، ظهر علي بن حمدون . . . ثم ازداد ظهورا في أيام عبيد الله المهدي . . . وخرج معه إلى أرض المغرب فأمره ببناء مدينة المسيلة وولاه عليها وتولى ابنه جعفر المسيلة من بعده ، فلم يزل متوليا لها ، رفيع المنزلة عند سلطانه إلى أن قتل محمدا ابن خزر الزناتي القائم بدعوة بني أمية ، زيرى بن مناد ، فخاف جعفر من صاحب إفريقية ، فبادر إلى الفرار بنفسه مع أخيه يحيى وجميع أهله وماله سنة 360 ، فصار عند بني خزر أمراء زناتة ، فشق جعفر الصحراء معهم قاصدين لزيري ، فالتقوا معهم ، ودارت بينهم حرب صعبة انجلت عن قتل زيري . . . ولما تم الأمر لأمراء زناتة ، وجعفر بن علي ، بادر جعفر بمراسلة الحكم إلى الأندلس ملقيا بنفسه عليه ، معتصما بدعوته ، ثم أرسل إليه أخاه يحيى ثم سار إليه بنفسه . فحظي عنده ( 4 ) وهنا لا بد لنا من الإشارة إلى خلاف تاريخي بين صاحب البيان المغرب ابن عذارى وابن خلدون إذ أن الأول يقرب بان الذي قتل محمد بن خزر الزناتي الذي كان جبارا عاتيا طاغيا هو زيري بن مناد بينما يقول ابن خلدون بان المعز أمر بلكين بن زيري بن مناد بغزوه فغزاه في بلاده . . . وذلك سنة 360 ( 5 ) وزيري من قبيلة إفريقية تعرف بصنهاجة ، استقدمه المعز إلى حضرته سنة 343 فأكرمه واستخدمه في بعض المهام ، ونحن لا نستطيع أن نثبت أيهما الذي قتل محمدا بن خزر الزناتي إلا إذا اعتبرنا كتب التاريخ أصدق من كتب الأدب في النواحي التاريخية ، ونحن يهمنا فقط أن نؤكد أن جعفرا وأخاه يحيى انتقضا على المعز وأيدا بني أمية وذلك عندما بعد المعز عن المغرب وأصبح في مصر بعيدا عن المغرب ومتوجها بكليته إلى الشرق . هذان الرجلان اتصل بهما ابن هاني فاجزلا صلته وأحلاه منزلة طيبة ، فمدحهما . الشاعر وابنا علي بن حمدون عرفنا أن جدهما الأعلى جاء إلى الأندلس ، وسكن كورة البيرة ، وأن جدهما حمدون انتقل إلى إفريقية ، وصحب أبا عبد الله الشيعي ، واحتل مركزا حسنا ، وكذلك ابنه علي من بعده ، وحفيده جعفر .
--> ( 1 ) مثل ابن هاني في إسلامه وكياسته لا يمكن أن يحتقر الشعوب لا سيما منها المناضل المخلص ، ولكن الحقيقة أن زعماء تلك الأقوام غير العربية لم يكونوا يفهمون العربية فهما صحيحا ، فإذا فهموها بعض الفهم ، فلم يكن لهم من هذا الفهم ما يجعلهم يتذوقون الشعر العربي ويدركون جمال أسلوبه وبعد مرامي معانيه ينفذ عندهم ويروج ، لذلك لم يكن لابن هاني فيهم شيء من الشعر ( ح ) . ( 2 ) ابن خلدون : تاريخ ج 4 - 64 . ( 3 ) ابن خلدون : تاريخ ج 4 - 46 . ( 4 ) ابن عذارى : البيان المغرب ج . - 242 - 243 . ( 5 ) ابن خلدون تاريخ ج 4 - 48 .